الإبداع لا يكون إلا خارج الأطواق

كتبها مسلم عربي ، في 12 ديسمبر 2009 الساعة: 04:00 ص

الإبداع لا يكون إلا خارج الأطواق

إبراهيم البليهي

    إن هذا العصر الزاخر بالمتغيرات قد حفل بالرواد المدهشين فجاءت حظوظ المجتمعات من التقدم بمقدار استجاباتها المتفاوتة للأفكار الخلاقة

على مستوى الفرد والجماعة والمؤسسة والمجتمع والأمة لن يكون أيُّ فعل ناجعاً وذا فاعلية وتتحقق به الأهداف الكبرى أو غير العادية إلا بمعرفة مفاتيحه فعلينا أن نتعرف بدقة على مفاتيح الإبداع الفردي والازدهار الاجتماعي فنستخدمها بمنتهى العناية والمهارة والدقة أما من غير ذلك فإن الزمن يمضي والجهد يضيع والأهداف العامة الحيوية تزداد بُعداً ويبقى التخلف مسيطراً بينما الأمم الأخرى تتواثب نحو القمم وأول هذه المفاتيح التأسيسية أن ندرك أن الإنسان كائنٌ تلقائي فهو في طفولته يتشرب الثقافة السائدة تشرباً تلقائياً فيتشكل بها عقله وتتقولب بها عواطفه وتصاغ بها ذاته وتتحدد بها اهتماماته فبها يرى وبها يقيس وبها يحكم فليس العقل سوى نتاج ثقافي ومن هنا تختلف طرق التفكير باختلاف الثقافات فالعقل العربي هو نتاج الثقافة العربية مثلما أن العقل الياباني هو نتاج الثقافة اليابانية فأنماط التفكير تتنوع بتنوع الثقافات وليس أداء الأفراد والمجتمعات في الفكر والفعل وليس التقدم أو التقهقر سوى التجسيد الحي لهذا التنوع الثقافي وما يتضمنه من تنوع في أنماط التفكير أما المعارف والمهارات فليست سوى المواد التي يستخدمها هذا التنوع كل في الاتجاه الذي تبرمج به وحدد اهتماماته فالثقافات المختلفة تستخدم المعارف الدقيقة والوسائل المتطورة والمهارات العالية لتكريس التخلف..

أما المفتاع الثاني من مفاتيح الإبداع الفردي والازدهار الاجتماعي فهو أن ندرك أن الفرد في الغالب لا يعلم أنه مبرمج فيتوهم أن كل أفكاره وآرائه وتصوراته ومواقفه هي ثمرة البحث والتحقق ونتاج العقل المتيقظ الفاحص ولكن الحقيقة هي غير ذلك فليست كما يتوهم وإنما هو قد تشرّب مكونات ذاته تشرباً تلقائياً سواء كان ما تشربه حقاً أم باطلاً أم كان خليطاً من الحق والباطل ومع ذلك يبقى أهل الثقافات المتباينة مأسورين بما تبرمجوا به تلقائياً وبسبب التباين فيما تتشرّبه النفوس حسب التباينات الثقافية يستخف كل فريق بما يقدسه الفريق المغاير بينما يمتلئ تقديساً لما تبرمج به هو مهما كان سخفُه وبعده عن الحق ويظل مغتبطاً به طول عمره فلا ينفك منه ولا يحاول الانفكاك بل يظل مغتبطاً به مستميتاً في الدفاع عنه مقتنعاً بأنه عين الحق والعقل والنقاء مهما كان غارقاً في الوهم والخرافة ومهما كان مشحوناً بالاضطراب والاختلاط والعكارة..

أما المفتاح الثالث من مفاتيح الإبداع الفردي والازدهار الاجتماعي فهو إدراك أن التخلص من البرمجة التلقائية سواء على مستوى الأفراد أم على مستوى المجتمعات لا يمكن أن يأتي عفوياً ولا عن طريق التعليم الرتيب مهما كان محتواه ومهما بلغ مستواه وإنما لا يحصل الانفكاك من قبضة البرمجة الثقافية إلا بمؤثر طارئ شديد جارف إن الإنسان بطبعه كائن يتبرمج فهو في طفولته يمتص الثقافة السائدة أما في كبره فينساق تلقائياً إلى التقليد والمحاكاة والمماثلة ويمتثل تلقائياً ما هو سائد ويجتر بشكل عفوي ما يجتره الناس في البيئة التي برمجته ولا يؤثر فيه من المعارف والأفكار والرؤى إلا ما يزلزل مسلماته أو ما يعايشه معايشة حميمة تلقائية ويتشربه عقله تشرباً تلقائياً يجعله يمتزج في بيئته الذهنية والعاطفية ويشكل سلوكه وأخلاقه فينساب منه النتاج انسياباً تلقائياً..

لذلك فإن أي إبداع هو عمل ريادي يحمل إضافة لما هو موجود،بمعنى أنه ليس مألوفاً ضمن نطاق السائد وفي الغالب لا يجد الإبداع من المجتمع قبولاً ولا ترحيباً وإنما يقابل بالرفض والاستنكار وكلما كان أبعد عن المألوف وأوغل في التفرد والإبداع كان الرفض له أقوى والاستنكار أشد لذلك فإننا حين نتتبع حياة المبدعين في كافة المجالات ونفحص وقائع التطور الحضاري عند كل الأمم فسوف نجد أن الإبداع لا يكون إلا خارج الأنساق المستقرة وأنه حورب بشراسة فالسمة الأولى للإبداع وشرطه المبدئي هو الإفلات من أطواق التقاليد والأعراف والأطر الثقافية والاجتماعية والمدرسية والأكاديمية فالإنسان يتبرمج تلقائياً بما هو سائد في البيئة ثم تأتي الأطر لتؤكد الإذعان وترسخ الامتثال وتدفع إلى التماثل وتكرس التكرار وتحيل الاجترار إلى سلوك تلقائي،إن التأطير الثقافي والاجتماعي والمدرسي والأكاديمي يأتي تأكيداً للطبيعة البشرية التلقائية في الانسياق التلقائي مع المحاكاة والامتثال والتقليد والاجترار ومواصلة السير تلقائياً مع نفس المسارات..

إن الانجازات والوقائع والأحداث والطفرات الإبداعية في كل المجالات تقدم شواهد لا حصر لها على أن الإبداع لا يكون إلا خارج الأطواق النسقية وأن الم

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مصير الحجاب في تونس

كتبها مسلم عربي ، في 22 نوفمبر 2009 الساعة: 15:50 م

 

 

مصير الحجاب في تونس

بقلم د. راغب السرجاني

قصة الحجاب في تونس قصة مؤلمة حقًّا.. ولقد تناولت في مقالي السابق "تونس وقصة الحرب على الحجاب" تفاصيل القصة من أوَّلها، وكيف أن المستعمر الفرنسي الخبيث استغل بعض الرموز التونسية من الرجال والنساء لينفِّذوا مخطَّطه الرامي إلى إخراج المرأة من حجابها وعفتها بُغية تدمير المجتمع التونسي وتغريبه، وبهدف إفقاده لهويته الإسلامية، ولإيقاع الشباب في براثن الشهوة والانحلال.. ولقد نجح الاستعمار الفرنسي في ذلك إلى حدٍّ كبير، بل إن نجاحه كان أعظم بعد خروجه من البلاد، حيث استخدم الرئيس السابق بورقيبة في دعم مسيرة الانحلال، والتي وصل الأمر فيها إلى سنّ قانون سنة 1981م يحظر الحجاب على المرأة التونسية!!

زين العابدين يسير على خطا بورقيبة !

وفي سنة 1987م قام وزير الداخلية "زين العابدين بن علي" بانقلاب على الرئيس بورقيبة، ونجح الانقلاب وتولى زين العابدين حكم البلاد من يومها وإلى حين كتابة هذه السطور، فماذا حدث في معركة الحجاب؟!

إن المعتاد في حوادث الانقلاب أن يعلن الرئيس الجديد رفضه لمنهج الرئيس القديم، وإلاَّ فليس هناك مبرر للانقلاب. وعادةً ما يبدأ الرئيس الجديد في كسب وُدّ الشعب بطريقة أو أخرى حتى تستقر الأوضاع.. لكن هذا في الواقع لم يحدث!!

لقد أعلن "زين العابدين" في أيامه الأولى وتحديدًا في خطاب له في مارس 1988م أنه متمسك بمنهج بورقيبة في مسألة المرأة والحجاب، وأعلن أنه لن يكون هناك تراجع عن المكاسب التي حققتها مجلة الأحوال الشخصية (وهي المجلة التي كان يصدر فيها بورقيبة تشريعاته الظالمة بخصوص المرأة والأسرة)، وزاد القمع بشدة لرجال الدعوة الإسلامية، وامتلأت السجون بالمعتقلين، وهرب العديد منهم إلى خارج البلاد، وسجلت لجان حقوق الإنسان تجاوزات خطيرة، وازداد تتبع المحجبات واضطهادهم. ولقد قابلْتُ الكثير من التونسيين في أوربا وأمريكا، وكان الجميع يذكر أن المرأة التونسية لا تستطيع أن تلبس الحجاب، وإلاَّ تعرضت للقهر والإذلال، وأنها إذا ذهبت للعمرة أو الحج تلبس الحجاب بعد مغادرة الطائرة لتونس، ثم تعود لخلعه قبل عودة الطائرة إلى الأراضي التونسية!! لقد سمعت هذا بنفسي وحكاه لي العديد من أفراد الجاليات التونسية المنتشرة في كل مكان. ولقد قابلتُ ظاهرة عجيبة عكسية لكل ما أراه من الجاليات الأخرى؛ فالمعتاد للمسلم الذي يعيش في أوربا أو أمريكا أن يفكر للعودة إلى بلاده عندما تبلغ بناته سن المراهقة حتى لا تفسد البنات في المجتمع الغربي، ولكني وجدت الكثير من العائلات التونسية تهاجر من تونس إلى أوربا أو أمريكا عندما تكبر بناتها حتى تجد وسطًا تستطيع فيه البنت أن تلبس الحجاب!!

إنه وضع معكوس غير مفهوم، ولكنه الواقع!

ونتيجة لهذه الضراوة في المعركة قلَّتْ نسبة المحجبات جدًّا في تونس في فترة التسعينيات، بل إن الأمر ازداد سوءًا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م في أمريكا، وزادت ضراوة الحرب ضد الحجاب، وضد الثوابت الإسلامية بدعوى الحرب ضد الإرهاب، ولمحاولة تسويق النظام التونسي لنفسه عند أمريكا، خاصةً أن الأوضاع في الجزائر والمغرب متقلبة وغير مستقرة.

صحوة إسلامية في تونس

ولكن -سبحان الله الذي بيده ملكوت السموات والأرض!- نشطت في تونس صحوة إسلامية في عام 2002م، ولعلها رَدَّة فعلٍ للهجوم الشرس على الإسلام بقيادة أمريكا، وكثيرًا ما نجد أن زيادة الاضطهاد تفجِّر طاقات الإيمان في قلوب المسلمين والمسلمات. وبدأ الحجاب ينتشر من جديد، واكتشف النظام التونسي أن التشريعات الظالمة، والقوانين الجائرة، والعصا الغليظة، والسجون الكثيرة.. كل ذلك لم يقتل حب التونسيين والتونسيات للإسلام؛ فالإسلام جذوة في قلوب المؤمنين قد تضعف أحيانًا ولكنها لا تنطفئ أبدًا.

وتزامنت هذه الفترة مع ظهور عدة مواقع إسلامية على الإنترنت، إضافةً إلى ظهور القنوات الفضائية الإسلامية، وانتشار صحوة إسلامية عامَّة في أقطار العالم الإسلامي هبَّتْ ريحها على تونس بقوَّة، وبدأ الحجاب يدخل إلى المعاهد والجامعات، بل وتسلل إلى داخل الإدارات العمومية والخاصة.

لم تقف الحكومة مكتوفة الأيدي أمام هذا النشاط العميق، إنما بدأت تتحرش وبقوَّة بالمحجبات، خاصة الطالبات في الجامعة، وسعت إلى تفعيل القوانين الجائرة والمخالفة للدستور التونسي، ولكن روح الإسلام كانت قد سرت بالفعل في أوصال الشعب التونسي الأصيل، وظهر جو عام من الرفض لتعدي النظام الحاكم على ثوابت الدين، ومن ثَمَّ قامت في عام 2003م احتجاجات قوية من بعض طوائف الشعب على السلطات التونسية، وكان من أهم هذه الاحتجاجات مطالبة عدد من المحامين والشخصيات السياسية التونسية رئيسَ الدولة بالتدخُّل لإيقاف مهزلة انتهاك حرمة النساء التونسيات العفيفات والملتزمات بزيهن الإسلامي. وصدر بيان عن المجلس الوطني للحريات في تونس في 30 مايو 2003م يندِّد فيه بمنع الكثير من المعاهد العلمية والجامعات الطالباتِ المحجبات من دخول المؤسسة التعليمية. وبعدها بثلاثة أيام، وفي 2 يونيو 2003م أدانت مجموعة من الطالبات التونسيات المحجبات النظام التونسي؛ لأنه منعهُنَّ من خوض امتحان نهاية العام بسبب حجابهن. وتفاقم الأمر في آخر السنة، حيث وقّع أكثر من مائة محامٍ وناشط حقوقي على عريضة تدين النظام التونسي في تعامله مع مسألة الحجاب، وجاء في هذه العريضة -التي قُدِّمت لرئيس الدولة في 11 نوفمبر 2003م- "أن النساء التونسيات المرتديات للحجاب يتم حرمانهن منذ بداية السنة من العمل ودخول المعاهد

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

تونس وقصة الحرب على الحجاب !!

كتبها مسلم عربي ، في 16 نوفمبر 2009 الساعة: 01:25 ص

 

تونس وقصة الحرب على الحجاب !!

 

 بقلم د. راغب السرجاني 

 

 

إنه لغز معقد جدًّا، ومحيِّر للغاية.. هذا الذي نراه في تونس! إنها حرب منظمة ومستمرة دون كلل أو ملل ضد حجاب المرأة المسلمة!! فتونس دولة إسلامية منذ الأيام الأولى للإسلام، وليست دولة إسلامية عادية، بل إنها دولة رائدة كان لها السبق في الإسلام في منطقة شمال إفريقيا، وكانت قاعدة مهمَّة لانطلاق الجيوش والدعاة والعلماء إلى أقطار إفريقيا المختلفة، وبها القيروان من أعظم الحواضر الحضارية الإسلامية، وفيها جامعة الزيتونة المنارة الإسلامية الشاهقة، والتي كان لها أبلغ الأثر في نشر الدعوة الإسلامية، وفي الحفاظ على ثوابت الدين والعقيدة، لا في تونس وحدها ولكن في العالم الإسلامي بأسره.

إنها تونس المسلمة التي كانت قاعدتنا لفتح الأندلس ثم صقلية.

 

تونس المسلمة بشعبها الذي يعشق الإسلام بالفطرة، والذي يمثل الأغلبية الكاسحة من إجمالي عدد السكان، حيث يصل المسلمون في تونس إلى 98% من العشرة ملايين الذين يسكنون تونس الحبيبة؛ لهذا كله نقول إن الحرب على الحجاب في تونس لغز معقد !وآخر فصول هذه الحرب ما رأيناه مؤخرًا في الأسبوع الماضي من قرار بعض الجامعات التونسية أن توقِّع الطالبات الملتحقات بالجامعة على أنهن لن يدخلن الجامعة إلا "برأس مكشوف"!! هكذا.. فليس الممنوع هو الحجاب فقط، ولكن الطاقية أو القبعة أو المنديل أو أي شيء يغطِّي الشعر للمرأة!! والطالبة التي لن توقع على المرسوم لن تدخل الجامعة، بل وستتعرض لملاحقة قضائية على حدِّ وصف المرسوم. كما لم يغفل المرسوم الطلاب الذكور، حيث شرط عليهم دخول الجامعة "بذقن محلوق"؛ حيث إن اللحية تُعَدّ خطرًا داهمًا على الجامعات التونسية!!

 

ما هذا الذي نراه في تونس الحبيبة؟!

 

إنه انتهاك خطير لحرمة المرأة المسلمة، بل إننا لا نرى مثل هذا الانتهاك في دول غير إسلامية معروفة بعدائها للمسلمين، فهل صارت الحرب ضد الإسلام في تونس أشد ضراوةً من حروب غير المسلمين؟! ولكي نفهم هذا اللغز المعقد لا بُدَّ من العودة إلى الجذور، ولا بد من دراسة القصة من أوَّلها، وهي في الواقع قصة مؤلمة غاية الإيلام

جذور قصة الحجاب في تونس

 

لقد عاشت تونس قرونًا طويلة تحافظ على الإسلام وقيمه ومبادئه، ولم تهتز فيها الثوابت الإسلامية على مر عصورها السابقة، غير أنه في سنة 1881م ابتليت تونس بالاحتلال الفرنسي الذي غيَّر كثيرًا من الأوضاع في الشقيقة تونس.

 

إن الاستعمار الفرنسي استعمار خاص جدًّا، له سمات معينة معروفة للدارسين، ولعلَّ من أهم سماته أمرين مهمَّين..

 

أما الأمر الأول -وهو الأخطر- فهو الاهتمام بتغيير ثقافة المجتمع الذي تقوم فرنسا باحتلاله، وتحويل مبادئه وثوابته وقيمه إلى النظام الفرنسي، ويشمل ذلك اللغة والأخلاق وطرق التعليم والإعلام، وغير ذلك من أمور تحدد هوية البلد. ولا يسعى الفرنسيون -بخبثٍ شديد- إلى مهاجمة الدين بأنفسهم، ولكنهم ينتقون بعض الرموز والنُّخب السياسية والدينية والفكرية من أهل البلد المحتَلّ ليقوموا هم بتشجيع أهلهم على هجر ثوابتهم، والاتجاه إلى الثقافة الفرنسية بكل طاقاتهم.

 

وتهتم فرنسا أن تتابع هذا التغير الثقافي حتى بعد خروجها من البلاد المحتلة، ولا تتوانى عن توفير وسائل الاتصال الدائم بين الشعوب المحتلة وبين الجامعات والمراكز الثقافية والمنتديات الفرنسية؛ حتى يستمر المد الثقافي الفرنسي في البلد حتى بعد خروج الجيوش الفرنسية، وهذا ما يفرز مواقف سخيفة للغاية مثل التي نراها الآن في تونس من حرب على الحجاب والإسلام، مع أن الجنود الفرنسيين خرجوا من 53 سنة!

 

وأما الأمر الثاني الذي يميز الاحتلال الفرنسي فهو الضراوة الشرسة، والعنف المبالَغ فيه مع الذي لا يسير وفق المخطط الفرنسي؛ ولذلك ليس عجيبًا أن ترى عشرات الآلاف بل مئات الآلاف من الشهداء في البلاد التي تحتلها فرنسا، بل تجاوز العدد رقم المليون في الجزائر الحبيبة، وهذا العنف منهج أصيل تورثه فرنسا إلى أتباعها في أيِّ بلد محتل، فتصبح هذه القبضة الحديدية هي وسيلة الإدارة للبلاد بعد تحررها من المحتلين الفرنسيين.

 

هذا هو الاحتلال الفرنسي.. علمانية تكره الإسلام وتمقته وتسعى إلى هدم ثوابته، وعنف ظاهر يكسر عظام كل من يقاومه.

 

دخل الاستعمار الفرنسي تونس سنة 1881م بهذه المبادئ، وواجهه الشعب التونسي الأصيل بمقاومة شرسة، وسقط الشهداء والشهداء، ولكن فرنسا بدأت في تدرج في ممارسة سياستها الماكرة باستقطاب رموز تونسية تتولى تحطيم الثوابت الإسلامية.. وكانت فرنسا تعلم أن إفساد المرأة التونسية المسلمة هو أحد أهم معاول الهدم في المجتمع؛ ففساد المرأة سيدمِّر الأسرة، وسينشر الإباحية بين الشباب، وسيلهي هؤلاء الشباب عن أدوارهم تجاه وطنهم وأمتهم ودينهم.

 

وبدا الفرنسيون وكأنهم يقرءون أحاديث رسول الله r المحذِّرة من فتنة النساء أكثر من قراءة المسلمين أنفسهم لهذه الأحاديث، فوضحت أمامهم الرؤية، بينما غابت الرؤية عن كثيرٍ من المسلمين.. روى الترمذي وحسنه عن عبد الله بن مسعود t أن رسول الله r قال: "المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان".

 

وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري t أن رسول الله r قال: "واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء".

 

فهذه هي أول فتنة، ثم تأتي الفتن بعد ذلك تباعًا.

 

وروى مسلم عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: "صنفان من أهل النار لم أرهما؛ قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا".

إن هذا العقاب الشديد لهذه النساء ليس مردُّه إلى وقوعهن في ذنب يخصهن فقط، بل إن هذا الذنب الذي ارتكبنه أدى إلى إفساد المجتمع الذي يعشن فيه؛ لذلك فالمرأة الكاشفة لشعرها وجسدها تحمل من السيئات بقدر من يراها من الناس، وهذا يثقل كاهلها، فتقع بأوزارها في النار، ولا تجد ريح الجنة.

. روى الترمذي عن أبي موسى الأشعري t أن رسول الله r قال: "كل عين زانية، والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا" يعني زانية. وفي رواية النسائي تصريح بأنها زانية، حيث قال رسول الله r: "أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية"؛ ذلك لأنها دفعتهم إلى النظر إليها، وأوقعتهم في زنا العين، وقد يدفع هذا بعد ذلك إلى الزنا الحقيقي.

 

إن الأمر جِدُّ خطير!

 

لقد كانت فرنسا تقرأ -بخبث شديد- هذه المعاني والتوجيهات فعلمت أن إفساد المجتمع المسلم يعتمد على إفساد المرأة، ومن ثَمَّ اجتهدت بكل طاقتها في إخراج المرأة التونسية المسلمة من حجابها وحشمتها وعفتها، واجتهدت في إيجاد جيل من المفكرين العلمانيين والسياسيين الفاسدين الذين يحملون هذا الملف الدنيء، ويدافعون عنه أكثر من الفرنسيين ذاتهم.

علمانيو تونس والحجاب

كانت البداية في أوائل العشرينيات (بعد 40 سنة من الاحتلال الفرنسي) عندما دفع الفرنسيون أذنابهم من العلمانيين التونسيين لكي يناقشوا مسألة حجاب المرأة، وأعلن هؤلاء أن تغطية وجه المرأ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الاستبداد “العلماني”

كتبها مسلم عربي ، في 3 نوفمبر 2009 الساعة: 19:35 م

 

 

الاستبداد "العلماني"

 

بقلم د.علي فخرو

 

أي فهم للعلمانية تتبناه النخبة العسكرية والأقلية الأتاتوركية في تركيا، عندما تطالب بحرمان فتيات من الالتحاق بمؤسسات التعليم العالي بسبب اختيارهن ارتداء ما يؤْمنّ بأن دينهنّ يأمر بارتدائه؟ تعلم تلك الأقلية جيداً أن مثل ذلك الحرمان التعليمي لهؤلاء الفتيات، سيعني حرمانهنّ من فرص حياتية أفضل، كالعمل في وظائف عالية المكانة والقيمة، وبالتالي تقليل فرصهن في الحراك الاجتماعي نحو الأعلى.

لسنا معنيين هنا بالجوانب الدينية لما يعرف باللباس الشرعي للمرأة المسلمة، إذ لهذا الحقل المليء بالخلاف فرسانه، لكننا معنيون هنا بالنظر إلى الموضوع من منطلقات وزوايا العلمانية نفسها، كي نرى إن كان تبني العلمانية يقتضي التضحية بقيمتين أساسيتين؛ هما حق الحرية الشخصية ومبدأ تكافؤ الفرص. فتينك القيمتين هما ما تتم التضحية به في هذه المعركة السياسية العبثية.

رغم معرفتنا بأن العلمانية موضوع بالغ التنوع، وأنه يمتد من محاولة إبعاد الكنيسة (أو أية مؤسسة منظمة للأمور الدينية) عن التحكم في السياسة، مع عدم الاستغناء عن الدين كدين، إلى تخوم المعاداة التامة لأي مظهر ديني في المجتمع بل محاولة اجتثاثه من المجتمع والفرد.. فإن العلمانية في المجتمعات الديموقراطية المعتدلة لم تمنع الفرد من ممارسة ما يؤمن به من شعائر دينية؛ ذلك أن قسماً كبيراً من المنادين بالعلمانية آمنوا أيضاً بالتلازم الوثيق بين العلمانية والديموقراطية، أي بين العلمانية ومنظومة حقوق الإنسان الوضعية الكبرى؛ أي قيم العدالة والحرية والمساواة والكرامة البشرية.

من هنا السؤال الذي يفرض نفسه: هل يؤمن العلمانيون الكماليون الأتراك بعلمانية ديموقراطية أم بعلمانية

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

باراك أوباما: أوقف إبادة المسلمين قبل الخطابة

كتبها مسلم عربي ، في 23 أكتوبر 2009 الساعة: 02:39 ص

 

 

باراك أوباما: أوقف إبادة المسلمين قبل الخطابة

 

 

 

 

بقلم د. محمد الأحمري

ما كان يمكن كتابة هذا العنوان لولا أنه قد سبق منكم من طالب بإنهاء إبادة المسلمين، ولهذا نجرؤ الآن أن نقول ذلك؛ لأن استنكار إرهابكم أصبح إرهاباً، ولأن حملتكم المرعبة قد نجحت هنا وفتتت هذه المنطقة، وأذلت سكانها، ونشرت الخوف وعدم الإنسانية بين مثقفيها، فلم يبقَ عندنا من يستنكر احتفالاتكم بالإبادة اليومية للأبرياء المسلمين!

وقد أصبح واجب المهزومين هنا فقط التنديد بالإرهاب الإسلامي، وتمجيد الإرهاب المسيحي اليهودي، وتقديسه، ومدحه، والمطالبة بالمزيد منه وأن يسموه تحريراً وتقدماً وسلاماً وأمناً وديمقراطية، وأصبح على المسلمين أن يعتذروا لإرهاب لم يفعلوه، ولم يشاركوا فيه، ولم يموّلوه، وأن يقبلوا بالحرب على حقوق الشعوب المسلمة ومصادرة قضاياها. بل وأن يؤيدوا إرهابكم وأن يمولوه.

باراك: جئت تخطب فهل ستردد قولك: "لسنا في حرب مع الإسلام"، فماذا نسمي إبادتكم اليومية للمسلمين؟! صحيح إنها ليست حرباً بل هي إبادة، ففي العراق منذ سنوات وباعتراف إحصاءاتكم، أبدتم مليون عراقي، وشردتم أربعة ملايين، وفي عهد كلينتون تسببتم أو قتلتم نصف مليون طفل عراقي كما أيدت ذلك وزيرة خارجيتكم ألبرايت، وقالت: إنه أمر يستحق، والإبادة اليوم قائمة للأفغان وللباكستانيين وللفلسطينيين، أطفالاً ونساءً وشيوخاً، لو فعل عشر هذا غيركم لكان هتلر زمانه ولكان محور الشر ومصدره، وعار الإنسانية الأكبر.

باراك: لقد فهمنا من خطابتك أن إدارتك سوف تعيش مع العالم في هذه الأرض، وسوف تخفف من الإرهاب المسيحي، وسوف تحاسب الإرهاب الصهيوني، فإذا أنت تخضع قبل تسلم الرئاسة لابتزاز تشيني بإرسال السلاح للإرهاب الصهيوني، كشرط لحفلة تنصيب هادئة، نعم نعرف أن إرهاب الصهاينة والمتطرفين المسيحيين لا تعدونه جريمة؛ لأن قتل العرب والمسلمين ليس إرهاباً في قولكم، ولكنكم تعلمون أنه إرهاب، وهو أفظع الإرهاب مهما عبثتم بالعبارات.

باراك: إنك إن كنت تملك شجاعة، فها هي النازية الصهيونية تحيط بك وتفاوضك وتؤيدك، وتحاورك وتبتزك كل يوم، وإن كنت تملك قرارك، فقبل أن تزور قبور ضحايا النازيين قبل ستين عاماً في ألمانيا، فعرّج على أكبر سجن نازي للأحياء في العالم، عرج على سجن النازيين في غزة، التفت إلى مليون ونصف في طريقك، شعب يعيش على تهريب الطعام والدواء عبر خنادق تحت الأرض، وترتفع جدرانك وكاميرات لمراقبة تهريب الطعام إلى السجن النازي، ولو عرف النازيون ووكلاؤهم منها شيئاً لدمروه، فالتفت للإرهاب النازي الصهيوني وطالبه بفك إرهابه وإنهاء إبادته وتدميره للأسر العربية، ثم كن شجاعا مرة وعرّج على المجتمع المتطرف دينيَّاً في تل أبيب، وقل هذه النازية كتلك، الفرق أن عار هذه النازية المجرمة اليوم عليك، وعلى الأحرار في العالم، أما النازية الأولى فقد انتهت.

باراك: سوف يتسابق عند أقدامك كثير من المعتذرين والمتملقين للإبادة المسيحية، وسترى من لا يستنكرون الإبادة النازية للفلسطينيين، وسوف تقابل ربما بعض المجاملين الخائفين، ولكن عليك أن تدرك أن الحقيقة تفوق الوصف، وأن الكذب والنفاق لكم لا يغير من الأمر شيئاً، ولا يفتح باباً للسلام، فالمعتذرون سينافقونك بما تريد قبل أن تجيء ولكن ضحايا الإرهاب لا ينسون، بل الإرهاب نفسه قائم مبيد، حي فوق الرقاب، وصمت الخائفين سيزيد من الكراهية والعنف، وواجبنا أن نتجاوز الكراهية والعنف، ي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

وجهة العالم الإسلامي في القرن الخامس عشر

كتبها مسلم عربي ، في 12 أكتوبر 2009 الساعة: 08:39 ص


 

 

 

 

وجهة العالم الإسلامي

في القرن الخامس عشر

 

 

 

د. عماد الدين خليل

 

 

 

ونحن ندلف إلى قرن جديد، فإنه يتوجب على أمتنا، أن تتعلم من القرن الذي انقضى، فإن أمة (تعلّمها) تجربة قرن كامل أمة أحرى ألا تكون..

إن علينا أن نراجع حساباتنا عبر ذلك القرن، المترع بالوقائع والأحداث، والذي تأجح فيه المسلمون، بين الهزائم والانتصارات.. وكان الخط الواضح.. النتيجة الأكثر ثقلاً في مجرى الصراع الطويل، هو كثرة الهزائم، بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخنا.. وحتى الانتصارات التي كانت تنتزع انتزاعاً من فكي الخصم بكثير من الدم والأشلاء، كانت تتميّع أحياناً بعد فترة تطول أو تقصر، وتفقد بريقها.. كانت تُمتص أو تُحتوى.. وأحياناً كانت تؤول إلى خسران جديد.. وقليلة جداً هي الانتصارات التي ظلت متألقة تحمل ديمومتها وقدرتها على الفعل عبر السنين..

            إن الصراع لم يكن متكافئاً.. كان الخصم يحقق قفزاته المذهلة في مجالات (المدنية) كافة، وفي (التقنية) والسلاح على وجه الخصوص.. وكنا نحن نستيقظ ونفرك أعيننا في ذيول ليل طويل، لم يكن الإسلام وقيمه الفاعلة قد أضاءت جنباته إلى قليلاً.. وقد جاءت الضربات، في معظمها، سريعة، مفاجئة، متلاحقة، من ملاكم عنيد ذي دربة ومران يضع قفازاً جيداً في قبضته ويلبس قناعاً سميكاً في وجهه.. وكنا نحن أشبه بالملاكم الذي يقاتل على المكشوف.. لا دربة ولا مراناً.. ولا أدوات يتقي بها سيل اللكمات..

لقد شهد القرن الماضي أنماطاً مختلفة من الهجوم الاستعماري والضغوط الحضارية كما شهد ردوداً مختلفة عجز كثير منها –رغم إخلاصه واندفاعه- عن تحقيق الاستجابة الناجعة إزاء التحديات..

            والاستجابة ليست مجرد تضحية واندفاع، واستماتة في الذود عن الحياض والشرف والذات.. إنها –فضلاً عن هذا- فكر نيّر بصير، وإيمان واعٍ عميق، واعتماد مبرمج للقدرات، وتخطيط شامل للمجابهة على كافة المستويات..

            ولم نكن نملك من هذا كله سوى الشيء القليل.. ومن تم كان ما كان مما نعرفه جميعاً.

 

 

الأبعاد الحقيقية لصراعنا مع اليهود

 

 

            وثمة إرهاصات في العودة كرة أخرى إلى أنماط من الهجوم الاستعماري، فضلاً عن استمرار معارك الغزو الاستراتيجي والاقتصادي والثقافي، وتطور أسلحتها وازديادهاخطورة.. وها هنا يتوجب اعتماد صيغ أكثر فاعلية في المجابهة التي يبدو أنها ستكون مصيرية..

            والصهيونية –على وجه الخصوص- ستتحرك لتأكيد انتصاراتها السابقة وتوسيعها باتجاه حلمها التاريخي.. وهي بعد أن ربحث المعركة باستخدامها آله الحرب أكثر من مرة، تريد أن تربح أكثر باستخدام أداة السلام.. بالدخول من الثغرة الكبيرة والخطيرة التي أحدثتها المحاولة السلمية في جدار الرفض المهترئ..

            إننا إذا أردنا أن نلقي نظرة مسبقة على مصيرنا إذا ما حدث أن تم الاعتراف النهائي بإسرائيل، فإن لنا أن نسأل أنفسنا وقادتنا وزعماءنا بوضوح: هل للعربي المعاصر قدرة على مجابهة رأسمال اليهود ونسائهم وتنظيمهم وماكيافيلليتهم؟ وإذا ان الجواب بلا.. وهي يقيناً سيكون كذلك، فلماذا –إذن- نسلّم أنفسنا إلى الهزيمة الحقيقية الأخيرة في تاريخ صراعنا مع اليهود؟ ولماذا –إذن- نقطع على أنفسنا الطريق ونسعى بملء إرادتنا إلى الزاوية التي ستفقدنا وجودنا كأمة لها حضارتها وعقيدتها وتاريخها ومستقبلها؟

            إننا يجب أن ندرك الأبعاد الحقيقية لصراعنا مع بني إسرائيل.. إنها أبعاد حضارية لا تقتصر على السياسة والحرب والاقتصاد فحسب، بل تتعداها إلى كل الآفاق العقائدية والثقافية والنفسية والأخلاقية والسلوكية.. إن حركة التاريخ لا ترحم، وهي عندنا تصعّد صراعاً بين أمتين إلى المستوى الحضاري، فإن نتيجة واحدة يمكن أن تنجم عن هذا الصراع، لا بديل لها وهي أن إحدى الحضارتين ستنتصر والأخرى ستنهار وتموت..

            إن وجود إسرائيل في قلب عالمنا الإسلامي يمثل تركيزاً خطيراً لتحدي الحضارة الغربية (الأوربية-الأمريكية) لنا، مضافاً إلها كل ما يملكه اليهود من قيم ومعتقدات وقدرات ماكيافيللية في عالم الصراع. لذا فهو تحد مركب صليبي-يهودي يسعى لتوجيه الضربة القاصمة للأمة التي طالما انتصرت على هجمات الصليبيين واليهود، وكالما خرجب عبر تحدياتهم وهي أصلب عوداً وأقدر على الاستمرار والتطور.. ومن هنا نجد أن هذا التجاوب العميق بين جماهير الغرب وبين تطلعات اليهود وأهدافهم.. هذا التجاوب الذي يسود القواعد البشرية وجد تعبيره على مستوى القيادات بالإعلان الذي أصدرته البابوية في الستينات بتبرئة اليهود من دم المسيح عليه السلام، الذي شُبه لهم فيه، وبالمنشور الذي أعقب ذلك معلناً حق اليهود في أرض الميعاد!

            وهكذا يبدو أن صراعنا مع إسرائيل قد حشدت له من جهة العدو كل قوى التعارض وطاقات الصراع التاريخي الطويل بين الإسلام وأعدائه.. ومن ثم –كذلك- كان علينا أن نمدّ مقاومتنا للعدوان إلى كل مساحاته الحقيقية، وأن نعمل على مستوى التاريخ والحضارة، وليس على مستوى الحرب والسياسة والاقتصاد والإعلام فحسب.. وأول ما يفرضه موقف صحيح شامل كهذا هو ألا ندع للصهاينة فرصة التسلل إلى مواقعنا الحضارية: ديناً وثقافة واجتماعاً وأخلاقاً وسلوكاً وتميزاً روحياً.. بعد أن سمحنا لهم بالتسلل إلى مواقعنا السياسية والعسكرية والاستراتيجية، لأن تسللهم التالي سيكون أخطر بكثير، وسيعطي لانتصارهم السياسي والعسكري بُعده

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

لكي لا يكون القرآن حمال أوجه

كتبها مسلم عربي ، في 3 أكتوبر 2009 الساعة: 19:05 م

 

لكي لا يكون القرآن حمال أوجه

بقلم د.عبدالله الحامد

التغيرات الكبرى في العصر الحديث:
ضخامة التحدي و قزامة التصدي

أ-أعظم تغير منذ فجر التاريخ:

حفل العصر الحاضر عصر الإمبريالية الغربية.بنوازل كبرى، وتغيرات وتحولات عظمى، في الحياة المادية والمعنوية، وبضغوط غريبة مادية ومعنوية أثرت على المعايير الاجتماعية السائدة، وغيرت وتيرة التفكير والحياة. فجدت على الناس أنماط من التغيرات الجوهرية، صغرى وكبرى، في وسائل الاتصال والمواصلات، وفي الاقتصاد والعيش والحياة، وفي الثقافة والتربية والإعلام،وكان من الطبيعي أن تنتج هذه التحولات عشرات من العادات والقيم والأعراف، هزت المعايير الاجتماعية السائدة.
واستوعبت الأمم الحديثة أمورا كثيرة، لم تكن شديدة الظهور في العصور القديمة، سواء أكانت في أسس التقدم الاجتماعي، أم في أسس التربية، أم في أسس التقدم السياسي كمفهوم علاقة المجتمع بالدولة، وظهرت الدولة الدمقراطية في الغرب، تجسيدا لرسوخ قيم المجتمع المدني وتجمعاته الأهلية، فتجلت نموذجا جذابا في الإدارة السياسية، جمع طرفي القوة المدنية:في منظومتيها:منظومةالعدل، شورى ومساواة وحرية. ومنظومة العمارة، تقنية وتنمية واقتصادية وعسكرية.
فأدرك الناس أهمية قيم الحرية والعدالة والكرامة والمساواة، والتعددية والتسامح والمواطنة،وعرفوا أن العدالة هي المدماك الأساس لبقاء الإنسان وارتقائه، فردا ومجتمعا؛ وأن العدالة لاتضمن إلا بحكم شوري،يوزع السلطة فلا تكون في يد حاكم فرد، وأدركوا أن الشورى لاتتجسد إلا بقيم المجتمع المدني،من حرية تعبير وتجمع، وتسامح وتعاون، والتزام بالحل السلمي في حسم أي خلاف، وأدركوا أن ضمان ذلك قيام التجمعات الأهلية ولا سيما المدنية،بأنواعها الخمسة: سياسية واجتماعية، واقتصادية وثقافية ومهنية.
وأدرك الناس أن تغول الحكومة وفسادها؛ يمر بمرحلتين:
الأولى : الحكومة تبتلع الدولة وتصبح الحكومة هي الحكومة والدولة معا.
المرحلة الثانية: شخصية الحاكم الفرد، تستحوذ على الحكومة والدولة معا، أي يصبح هو القانون، وعند ذلك يصبح الحاكم طاغية..
وأدرك الناس أن الخلاص من الطغيان، لا يكون إلا بحرية الرأي والتفكير والتعبير والتجمع، عبر تكتلات أهلية مدنية وأن لاضمان للحقوق ولااستقلال للقضاء ولا شورية في الحكم ، إلا بالحرية السياسية، وأن الحرية السياسية تنتعش إلا بضمانة حقوق الناس، وأن حقوق الناس لا تتجسد إجراءات ضمانها إلا بالقضاء العادل، وأن القضاء لا يضمن عدله إلا إذا استقل عن تدخل السلطة التنفيذية، وأن لذلك إجراءات وآليات، أصبحت من البديهيات والأعراف المرعية في الحكومات الشورية.
وأدركوا أن هذه الأسس هي التي تقوم عليها قوة الأمة، وهي سر علو العمارة، فأشادوا قاعدة راسخة،للتعليم الناجح، والصحة والغذاء،والاقتصاد والتجارة، وعرفوا مصادر القوة في العصر الحديث، فامتطوا متن التنمية والتقنية،عندها تفوقوا في القوة المعرفية، الناتجة عن التفكير العلمي الناضج، والحيوية المجتمعية، والنزعة العملية والصناعية والتقنية، عندما رسخت فيهم الروح الجماعية، التي تؤثر الصالح العام على الخاص، وتشد الناس إلى المثل الأعلى، ويتكاثر فيها التعاون والإيثار.
وظهر التفوق الغربي ليسود العالم بما صنع في توأم الحضارة:حقل العدالة وفروعها ووسائلها، وحقل العمارة وما فيها من أنظمة وقيم مدنية وإدارية؛ واقتصادية وتجارية، وصناعة مدنية وعسكرية، ونظريات تربوية ونفسية، واختراعات استثمرها لترسيخ سيادته على العالم، وتقديم حضارته العلمانية، للعالم كله، بملامحها النصرانية والصهيونية، محمولة على النجاح المدني عدلا وعمرانا.

ب-العشى الحضاري سبب الحيرة أمام أسئلة التقدم السياسي والمدني:

وواجهت الفكر الإسلامي المحافظ أسئلة جديدة، لم تستطع الصياغة (العباسية) للعقيدة والثقافة والتربية ؛ أن تلهمه؛ كيف يجيبون على أسئلة الحداثة اللاهبة، ولاسيما الحداثة السياسية، في جانب المبادئ كالانضمام إلى الأمم المتحدة، والسلام العالمي، واللبرالية والعلمانية والعولمة، وقضايا المجتمع المدني كحقوق الإنسان، والشورى والمشاركة الشعبية، وحقوق المرأة، والفصل بين السلطات الثلاث: قضائية وتشريعة وتنفيذية، والدستور والمواطنة والتعددية، واستقلال القضاء، والحرية المسئولة، والالتزام بحل الخلاف السياسي والاجتماعي عبر بالحوار والصراع السلمي والتسامح، بديلا عن الصراع الدموي والأحقاد،فضلا عن أسئلة الحداثة في جانب الوسائل، ككيفية تحقيق العدالة والتنمية؛ اجتماعيا واقتصاديا، فضلا عن أسئلة الحداثة التقنية علمية وقتصادية وطبية ومعلوماتية.
حاولت حركات الإصلاح الديني الاقتراب من أجوبة هذه الأسئلة، ولكن لم يكن المحصول بقدر الجهد المبذول، لأن المعضلة جذرية، تكمن في أن أغلب الحركات اعتمدت على الصياغة العباسية للعقيدة والثقافة الإسلامية فوقفت حائرة متعثرة الخطى؛ أمام عشرات الأسئلة الكبرى.
التغيرات ضخمة وسريعة ومتعددة الجوانب وجذرية، فالمجتمع الحديث، يختلف عن المجتمعات القديمة، في مئات العادات والأعراف، وفي عشرات القيم، ولم يقدر هول هذا التغير والتغيير، أغلب المفكرين والفقهاء والمثقفين ولا المربين والإصلاحيين، ليضعوا الأولوية لتخريج المتخصصين القادرين على تجديد الأفكار، في الجانب السياسي المدني، فلم يقدموا ما هو كاف لمعالجة مشكلات الأمة.
وصار أكثر الفقهاء والمثقفين الإسلاميين؛ يقدمون الصياغة العباسية للعقيدة والثقافة طبخة جاهزة صالحة لكل زمان ومكان ، ولم يفطنوا إلى أن هذه الخلطة،إنما هي خلطة وطبخة قد تناسب الناس خلال العصور العباسية والمملوكية والعثمانية، ولكنها لن تن

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قصة الحوثيون

كتبها مسلم عربي ، في 22 سبتمبر 2009 الساعة: 11:59 ص

قصة الحوثيون

بقلم د.راغب السرجاني

 

 

أصبحت قصة الحوثيين قاسمًا مشتركًا في معظم وسائل الإعلام في السنوات الخمس الأخيرة، وهي من القصص المحيرة حيث تتضارب فيها التحليلات، وتختلف التأويلات، وتضيع الحقيقية بين مؤيِّد ومعارض، ومدافع ومهاجم!
فمن هم الحوثيون؟ ومتى ظهروا؟ وإلى أي شيء يهدفون؟ ولماذا تحاربهم الحكومة اليمنية؟ وما هو تأثير القوى الخارجية العالمية على أحداث قصتهم؟ هذه الأسئلة وغيرها هي موضوع مقالنا، والذي أرجو أن ينير لنا الطريق في هذه القصة المعقَّدة..
تحدثنا في المقال السابق "قصة اليمن" عن تاريخ الحكم في اليمن بإيجاز، ورأينا أن الشيعة الزيدية كان لهم نصيب في الحكم فترة طويلة جدًّا من الزمن تجاوزت عدة قرون، وأنهم ظلوا في قيادة اليمن حتى عام 1962م عندما قامت الثورة اليمنية. وأوضحنا الفرق بين المذهب الزيدي الذي ينتشر في اليمن، والمذهب الاثني عشري الذي ينتشر في إيران والعراق ولبنان، والذي فصَّلناه بشكل أكبر في عدة مقالات سابقة: "أصول الشيعة" و"سيطرة الشيعة" و"خطر الشيعة" و"موقفنا من الشيعة". وذكرنا في المقال السابق أن نقاط التماسّ بين الشيعة الزيدية والسُّنَّة أكبر من نقاط التماس بين الشيعة الزيدية والاثني عشرية الإمامية، بل إن الاثني عشرية الإمامية لا يعترفون أصلاً بإمامة زيد بن علي مؤسِّس المذهب الزيدي، وعلى الناحية الأخرى فإن الزيديين لا يقرون الاثني عشرية على انحرافاتهم العقائديَّة الهائلة، ولا يوافقونهم على تحديد أسماء اثني عشر إمامًا بعينهم، ولا يوافقونهم في ادّعاء عصمة الأئمة الشيعة، ولا في عقيدة التقيَّة، ولا الرجعة، ولا البداءة، ولا سبّ الصحابة، ولا غير ذلك من البدع المنكرة.
وقلنا كذلك إنه لم يكن هناك وجود للاثني عشرية في تاريخ اليمن كله، إلا أن هذا الأمر تغيَّر في السنوات الأخيرة، وكان لهذا التغيُّر علاقة كبيرة بقصة الحوثيين.
جذور القصة
بدأت القصة في محافظة صعدة (على بُعد 240 كم شمال صنعاء)، حيث يوجد أكبر تجمعات الزيدية في اليمن، وفي عام 1986م تم إنشاء "اتحاد الشباب"، وهي هيئة تهدف إلى تدريس المذهب الزيدي لمعتنقيه، كان بدر الدين الحوثي -وهو من كبار علماء الزيدية آنذاك- من ضمن المدرِّسين في هذه الهيئة.
وفي عام 1990م حدثت الوَحْدة اليمنية، وفُتح المجال أمام التعددية الحزبية، ومن ثَمَّ تحول اتحاد الشباب إلى حزب الحق الذي يمثِّل الطائفة الزيدية في اليمن، وظهر حسين بدر الدين الحوثي -وهو ابن العالم بدر الدين الحوثي- كأحد أبرز القياديين السياسيين فيه، ودخل مجلس النواب في سنة 1993م، وكذلك في سنة 1997م.
تزامن مع هذه الأحداث حدوث خلاف كبير جدًّا بين بدر الدين الحوثي وبين بقية علماء الزيدية في اليمن حول فتوى تاريخية وافق عليها علماء الزيدية اليمنيون، وعلى رأسهم المرجع مجد الدين المؤيدي، والتي تقضي بأن شرط النسب الهاشميّ للإمامة صار غير مقبولاً اليوم، وأن هذا كان لظروف تاريخية، وأن الشعب يمكن له أن يختار مَن هو جديرٌ لحكمه دون شرط أن يكون من نسل الحسن أو الحسين رضي الله عنهما.
اعترض بدر الدين الحوثي على هذه الفتوى بشدَّة، خاصة أنه من فرقة "الجارودية"، وهي إحدى فرق الزيدية التي تتقارب في أفكارها نسبيًّا مع الاثني عشرية. وتطوَّر الأمر أكثر مع بدر الدين الحوثي، حيث بدأ يدافع بصراحة عن المذهب الاثني عشري، بل إنه أصدر كتابًا بعنوان "الزيدية في اليمن"، يشرح فيه أوجه التقارب بين الزيدية والاثني عشرية؛ ونظرًا للمقاومة الشديدة لفكره المنحرف عن الزيدية، فإنّه اضطر إلى الهجرة إلى طهران حيث عاش هناك عدة سنوات.
وعلى الرغم من ترك بدر الدين الحوثي للساحة اليمنية إلا أن أفكاره الاثني عشرية بدأت في الانتشار، خاصة في منطقة صعدة والمناطق المحيطة، وهذا منذ نهاية التسعينيات، وتحديدًا منذ سنة 1997م، وفي نفس الوقت انشقَّ ابنه حسين بدر الدين الحوثي عن حزب الحق، وكوَّن جماعة خاصة به، وكانت في البداية جماعة ثقافية دينية فكرية، بل إنها كانت تتعاون مع الحكومة لمقاومة المد الإسلامي السُّنِّي المتمثل في حزب التجمع اليمني للإصلاح، ولكن الجماعة ما لبثت أن أخذت اتجاهًا
معارضًا للحكومة ابتداءً من سنة 2002م.
 
وفي هذه الأثناء توسَّط عدد من علماء اليمن عند الرئيس علي عبد الله صالح لإعادة بدر الدين الحوثي إلى اليمن، فوافق الرئيس، وعاد بدر الدين الحوثي إلى اليمن ليمارس من جديد تدريس أفكاره لطلبته ومريديه. ومن الواضح أن الحكومة اليمنية لم تكن تعطي هذه الجماعة شأنًا ولا قيمة، ولا تعتقد أن هناك مشاكل ذات بالٍ يمكن أن تأتي من ورائها
 
 مظاهرات ضخمة للحوثيين وبداية الحرب
وفي عام 2004م حدث تطوُّر خطير، حيث خرج الحوثيون بقيادة حسين بدر الدين الحوثي بمظاهرات ضخمة في شوارع اليمن مناهضة للاحتلال الأمريكي للعراق، وواجهت الحكومة هذه المظاهرات بشدَّة، وذكرت أن الحوثي يدَّعِي الإمامة والمهديّة، بل ويدَّعِي النبوَّة. وأعقب ذلك قيام الحكومة اليمنية بشنّ حرب مفتوحة على جماعة الحوثيين الشيعية، واستخدمت فيها أكثر من 30 ألف جندي يمني، واستخدمت أيضًا الطائرات والمدفعية، وأسفرت المواجهة عن مقتل زعيم التنظيم حسين بدر الدين الحوثي، واعتقال المئات، ومصادرة عدد كبير من أسلحة الحوثيين.
تأزَّم الموقف تمامًا، وتولى قيادة الحوثيين بعد مقتل حسين الحوثي أبوه بدر الدين الحوثي، ووضح أن الجماعة الشيعية سلحت نفسها سرًّا قبل ذلك بشكل جيد؛ حيث تمكنت من مواجهة الجيش اليمني على مدار عدة سنوات.
وقامت دولة قطر بوساطة بين الحوثيين والحكومة اليمنية في سنة 2008م، عق

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

عقبات أمام الهجوم على إيران

كتبها مسلم عربي ، في 16 سبتمبر 2009 الساعة: 08:05 ص

عقبات أمام الهجوم على إيران
البروفيسور
عبد الستار قاسم

تتوعد إسرائيل بأنها ستهاجم المنشآت النووية الإيرانية، ودائما تكرر بان البرنامج النووي الإيراني يشكل تهديدا استراتيجيا لها. ووفق التقارير الإعلامية وتصريحات المسؤولين، تستمر إسرائيل بعمليات التدريب الجوية التي تراها مناسبة لتحقيق أهدافها، وتقيم العديد من المناورات لمواجهة الظروف العسكرية التي يمكن أن تطرأ كرد فعل إيراني. على أية الحال، القرار بشن الهجوم ليس سهلا، وهو يخضع للكثير من الحسابات والمحاذير الداخلية والخارجية، اشرح أهمها أدناه:

حسابات داخلية إسرائيلية: لإسرائيل حساباتها السياسية والعسكرية والتي يمكن تلخيصها بالتالي:
أ‌- من المستبعد أن تختلف القوى السياسية والشعبية الإسرائيلية حول مسألة الهجوم على إيران لأن الجميع مشبع بفكرة الخطر الإيراني الذي يهدد وجود إسرائيل، حسب أقوالهم، ويحرض جهات عربية وفلسطينية ضد العملية التفاوضية القائمة منذ سنوات. ومن المؤكد أن أي قرار بالهجوم لن تتخذه الحكومة إلا بعد تأييد مختلف القوى السياسية وعلى رأسها قوى المعارضة. جرت عادة الحكومة الإسرائيلية على تحقيق إجماع وطني حول النشاطات العسكرية الهامة وشن الحروب.
ب‌- من المؤكد أيضا أن إسرائيل لن تواجه صعوبة في تحليق طيرانها في الأجواء العربية، وستحصل على موافقة أنظمة عربية عدة للتحليق في أجوائها ذلك لأن هذه الأنظمة معنية بضرب إيران كما إسرائيل معنية. كالعادة، لن تعلن إسرائيل من أين مرّت طائراتها، ولن تأتي أنظمة العرب على ذكر شيء. سبق لإسرائيل أن استعملت الأجواء العربية لضرب المفاعل النووي العراقي، ومؤخرا لضرب السودان، هذا ناهيك عن حالات أخرى لم تأت وسائل الإعلام على ذكرها. ستحلق طائرات تزويد الوقود في الأجواء العربية، وربما تجد بعض الطائرات الإسرائيلية ملاذا لها في بعض المطارات العربية، وستجد محطة في مطارات كردستان العراق.
ت‌- وظفت إسرائيل ومعها الولايات المتحدة طاقات استخبارية كبيرة من أجل الوقوف على ما يجري في إيران من تطورات عليمة وتقنية عسكرية. الأقمار الصناعية تراقب وتصور وتدقق، والجواسيس على الأرض يحاولون، ومراكز الاستطلاع في المناطق المجاورة لإيران تعمل على مدار الساعة. هذه جهود ليست هباء، ولا بد أنها تتوصل إلى معلومات هامة.
ث‌- أعداد الطائرات الإسرائيلية المتوفرة للهجوم فجأة على إيران في وقت واحد ومحدد غير كافية لتحقيق الهدف ذلك لأن مساحة إيران كبيرة (1,600.000 كم2) والمواقع النووية موزعة بصورة متفرقة وبمسافات متباعدة. ربما لدى إسرائيل قوة جوية قادرة على تنفيذ المهام تبلغ 250-300 طائرة قاذفة مقاتلة، وهذا عدد غير كاف لضربة فعالة في آن واحد، بخاصة عندما نأخذ بعين الاعتبار بأن إيران أقامت مئات المواقع الموزعة بين الحقيقة والوهم. وهنا فقط أورد مسألة الهجوم على العراق عام 1991، حيث استعملت أمريكا وحلفاؤها حوالي 2000 طائرة في الهجوم الأول بين طائرات قاذفة وأخرى حارسة ومزودة ومستطلعة، علما أن مساحة العراق تبلغ حوالي 430,000 كم2. ربما، بل من المحتمل جدا، تستطيع إسرائيل سد النقص بطائرات عربية من طراز إف 16 تكون قد اُعدت وجرى طلاؤها مسبقا لتبدو على شاشات الرادار وكأنها إسرائيلية.
ج‌- على إسرائيل أن تحسب رد الفعل الإيراني من ناحية المواجهة في الأجواء الإيرانية. هل لدى إيران قدرات جوية تمكنها من خوض معارك جوية وتمنع الطائرات الإسرائيلية من القصف الجوي؟ وهل لدى إيران قدرات دفاع جوي تمكنها من إسقاط الطائرات المغيرة؟ هذان سؤالان لا يجدان أجوبة لدى الإسرائيليين والأمريكيين لأن إيران متكتمة جدا حول الكثير من إنجازاتها العسكرية. وما دامت الإجابة عائمة أو غامضة أو غير معروفة فمعنى ذلك أن الهجوم يحتوي على مغامرة كبيرة.
ح‌- وعلى إسرائيل أن تحسب أيضا رد الفعل الإيراني من حيث قصف إسرائيل بالصواريخ أو بأي وسيلة أخرى قد تكون إيران قد أعدتها. على إسرائيل أن تحسب أن صواريخ إيرانية ستسقط عليها، لكن حساباتها لن تكون دقيقة لأنها لا تعرف حجم القدرة النارية الصاروخية لإيران. هل تستطيع إيران إطلاق مائة صاروخ دفعة واحدة؟ أم تستطيع إطلاق مائة صاروخ في الساعة، أم في اليوم؟ وهل الصواريخ دقيقة أم لا؟ وهل حمولتها التفجيرية كبيرة أم صغيرة؟ وما هي عدد الصواريخ التي يمكن اعتراضها؟ وكم هي عدد منصات الصواريخ التي يمكن تدميرها قبل انطلاق الصواريخ؟ وهل هناك منصات واضحة للطيران، أم أنها مخبأة تحت الأرض؟ أسئلة كثيرة جدا بحاجة إلى إجابات.
خ‌- هل تأمن إسرائيل سكوت حزب الله فيما إذا شنت الهجوم؟
د‌- إسرائيل دولة تقوم على الأمن، وفلسفة وجودها قامت على الأمن، ودعايتها لاستقطاب الهجرة اليهودية تقوم على الأمن، ويبقى أمن الجبهة الداخلية على سلم أولوياتها. الهجوم الإسرائيلي على إيران يضع أمن التجمعات السكانية اليهودية في دائرة الخطر، والفشل الإسرائيلي في تحقيق أهداف سريعة سيؤدي إلى إرباك إسرائيلي كبير تترتب عليه نتائج لها علاقة باستمرار إسرائيل كدولة. الخطأ في الحسابات له انعكاسات عسكرية، لكن الانعكاسات على الناس قد تكون أشد خطورة.

على المستوى الخارجي:

تشكل إيران تحديا للغرب بسبب تركيزها على التطوير العلمي والتقني، وتطوير وسائل وأساليب الاعتماد على الذات. بقيت إيران تحت الحصار فترة طويلة من الزمن، ومنعت عنها الكثير من المواد والمعدات الضرورية للتنمية، وتعرضت للتحريض والتشهير على مدى السنين من قبل جهات كثيرة ومتنوعة على الساحة العربية وعلى الساحة العالمية، ومحاولات استنزافها ما زالت مستمرة. صمدت إيران عبر الزمن، وتمكنت من تحقيق الكثير من الإنجازات، وقطعت شوطا واسعا نحو الاعتماد على الذات. ويبدو أن كل السياسات الغربية والعربية تجاه إيران قد انتهت إلى نتائج عكسية من حيث أن إيران تعتبر لاعبا أساسيا في حركة المنطقة العربية الإسلامية. وتقديري أن إيران لا تسعى فقط لأن تكون قوة إقليمية، وإنما تتطلع نحو الحضور العالمي.
يشعر أهل الغرب بالتحدي خاصة أن إيران تجاوزت مسألة التسليح التقليدي ليرتقي إلى احتمال تطوير السلاح النووي. يدرك أهل الغرب أن عشرات الدول تخصب اليورانيوم ولديها تقنية نووية مدنية، لكنها تتخوف من البرنامج النووي الإيراني لأنها شبه متيقنة بأن إيران لن تتوقف عند حد إنتاج الكهرباء، وأن الذي يبحث عن دور عالمي لا بد أن تكون لديه قوة ردع تتكلم على طاولات الحوار والمفاوضات، وفي الأروقة الدولية.
ربما كان لدى أهل الغرب وبالأخص الولايات المتحدة فرصة الانقضاض على إيران في سنوات سابقة وقبل أن تكون قد استعدت عسكريا لامتصاص الضربات. أما الآن فلا يبدو أن مسألة الحسم العسكري باتت ممكنة لا من خلال الاجتياح البري ولا من خلال الضربات الجوية والصاروخية. تستطيع الولايات المتحدة إلحاق خسائر جسيمة بإيران إذا قررت مهاجمتها، لكنها تحسب رد الفعل الإيراني الذي يمكن أن يُلحق إهانة كبيرة بالهيبة الأمريكية، وتحسب بأنه من الممكن أن تبقى قادرة على القيام بمهام عسكرية ناجحة مثل إغلاق مضيق هرمز، وضرب المنشآت النفطية على الساحل الغربي للخليج، وصناعة مشاكل أمنية لأمريكا في كل من العراق وأفغانستان، هذا ناهيك عن إمكانية خلط الأوراق في المنطقة من خلال ضرب إسرائيل وتحريض حزب الله على القيام بذلك.
لا أرى أن أمريكا ستكون متحمسة لقيام إسرائيل بضربات جوية وصاروخية ضد إيران بسبب جراحها النازفة في العراق وأفغانستان، وتدهور الأوضاع في باكستان، والأزمة ال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

في الحجاز لا تسمع آلو آلو

كتبها مسلم عربي ، في 8 سبتمبر 2009 الساعة: 02:58 ص

في الحجاز لا تسمع آلو آلو
بقلم د.محمد الأحمري

 

 

 

كتب أمين الريحاني عند قدومه إلى الحجاز في زمن قديم ــ أو قل على الأصح أيام اعتزاز أهلها باللغة العربية ـ وكان فرحاً بوجود جهاز الهاتف في هذه المنطقة مع الحفاظ على ثقافة أهلها، قال: "الهاتف في مكة المكرمة! ولكنه مستعرب تماماً، فالحجاز هي البلاد العربية الوحيدة التي لا تسمع فيها: آلو آلو، الناس هناك يهتفون ويتحادثون بلغة عربية لا رطانة ألبتة فيها"، ص 29 ملوك العرب طبعة:1951.

قريبا، دخلت مكتبة عربية في دولة مشرقية، وعند الباب حارس بيده قائمة يسجل فيها الداخلون أسماءهم، فكتبت اسمي بالعربية، فاعترض الحارس الهندي محتجاً، وقال: "انجلش"، قلت له: "هذا بلد عربي"، ولم أقل له بأن البلد لم يصبح: "مستعمرة هندية"، فطلب بعد إصراري أن أكتب بالعربي، أن أكتب بجانبه ترجمة بالإنجليزية، قلت: اطلب مترجماً غيري، غضب مني غضباً شديداً، ومرّر الموقف بحنق، ثم عقب مفسراً: إن الإدارة هنا ـ وهم عرب ـ يريدون الكتابة بالإنجليزية! هممت أن أقول له: لعلهم أميون معقدون، يحبون أن يقال عنهم أفندية!

الحارس صادق؛ فالإدارة العربية تخضع للغة الحارس الإنجليزية الهندية، التي لا يكاد يفهمها هو نفسه، فهو من يردد بعض حروفها، وتستحي الإدارة أن يقال عنها أمية أو غير واثقة من نفسها لو كتبت بلغتها؛ لأن اللغة العربية لدى الأميين العرب أصبحت علامة تخلف، والإدارة تحب أن تكون تقدمية، فتكتب أو تحاول أن تتحدث بلغة الاحتلال الثقافي الهندي. فالبربرة وخلط كلمة انجليزية وأخرى عامية هي ثقافة تميز بها الأميون في المشرق العربي.

مشيت وفي القلب مشاعر عديدة، أهمها أن هذا الحارس الهندي الطيب الأمي، ربما أصبح محتلاً لعقول المشرفين على مؤسسة ثقافية، ورثيت لهذا الخليج العربي الذي تتسع فيه أمية السكان، يلطخون أميتهم بكلمات إنجليزية تثبت أميتهم، هذا الخليج الذي يتجه ليكون هندياً تابعاً لبدائية هامشية ثقافية للأميين الهنود، ليست حتى ثقافة الهندي، وبرغبة الأميين المؤثرين من سكان المنطقة، وخنوعهم للأميين العابرين، وما تشير إليه لغتهم من احتلال هندي للمستقبل.

ثم إن عقدة التبعية للهند أكبر مما تخطر ببال السكان في المشرق العربي، فها هو سائق أو خادمة هندية أو سيرلنكية تحل ببيت العرب، فتحول لغته مباشرة، ويصبح البيت مستعمرة سيرلنكية أو بنجالية، وإذا أرادت الخادمة أن تتبعهم أو تتعلم لغتهم، أبوا ذلك، بل يتبعونها بشغف!!

في مطار الرياض، جاء راكب متأخر، فحاول اللحاق بالطائرة، وكان يطلب السماح من المراقب ـ من أهل بلده ـ فأخبره بعدم إمكان ذلك، فنهر المتأخر ابن بلده بقسوة، فحوله مقهوراً للمراقب الهندي، فبدأ يخاطب الهندي: "بليز"، أي" فضلاً!! تعجب المواطن، وقال بمرارة: "عندي سبّ، وعنده "بليز!"، شهدت الموقف. فهل المتأخر لا يعرف من اللغة الأجنبية إلا هذه الكلمة؟ أم هل هذا شعور بالدونية اللغوية؟ وهل العربية لغة إهانة والإنجليزية لغة احترام؟ أم أن اللغة الأجنبية تفرض ثقافة احترام ليست عندنا! أم أننا إذا تحدثنا بلغة أجنبية عادت لنا بعض سمات الاحترام للذات!أم إنه الضعف الثقافي المريع، والأمية المغرقة، فالقابلية للاستتباع، تقمع الذات وتذهب العزة وتبيد الكرامة الذاتية، وتسحب العربي لقمع الرقي اللغوي، وهجر التهذيب!

إن المواطنة والعزة والقومية والدين والمصلحة المادية لسكان بلدك، تفرض عليك تقديس وتقديم لغتك، لتجد ثقافتها سوقاً ومالاً،

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي